الشنقيطي
198
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وبهذا تم إقامة الدليل على صحة النبوة ، أي الرسالة والرسول والمرسل ، وهي أسس الدعوة والبعثة الجديدة . وقد اشتهر عند الناس أنه نبىء « باقرأ » وأرسل « بالمدثر » ولكن في نفس هذه السورة معنى الرسالة ، لما قدمنا من أن القراءة باسم ربك ، إشعار بأنه مرسل من ربه إلى من يقرأ عليهم ، ففيها إثبات الرسالة من أول بدء الوحي . تنبيه في قوله تعالى : الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، مبحث التعليم ومورد سؤال ، وهو إذا كان تعالى تمدح بأنه علّم بالقلم وأنه علّم الإنسان ما لم يعلم ، فكان فيه الإشادة بشأن القلم ، حيث إن اللّه تعالى قد علم به ، وهذا أعلى مراتب الشرف مع أنه سبحانه قادر على التعليم بدون القلم ، ثم أورده في معرض التكريم في قوله : ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [ القلم : 1 - 2 ] ، وعظم المقسم عليه وهو نعمة اللّه على رسوله صلى اللّه عليه وسلم بالوحي ، يدل على عظم المقسم به ، وهو القلم وما يسطرون به من كتابة الوحي وغيره . وقد ذكر القلم في السنة أنواعا متفاوتة ، وكلها بالغة الأهمية . منها : أولها وأعلاها : القلم الذي كتب ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة ، والوارد في الحديث « أول ما خلق اللّه القلم ، قال له : اكتب » « 1 » الحديث . فعلى رواية الرفع ، يكون هو أول المخلوقات ثم جرى بالقدر كله ، وبما قدر وجوده كله . ثانيها : القلم الذي يكتب مقادير العام في ليلة القدر من كل سنة ، المشار إليه بقوله : فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [ الدخان : 4 ] . ثالثها : القلم الذي يكتب به الملك في الرحم ما يخص العبد من رزق وعمل . رابعها : القلم الذي بأيدي الكرام الكاتبين المنوه عنه بقوله تعالى : ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ ق : 18 ] ، أي بالكتابة كما في قوله : كِراماً كاتِبِينَ ( 11 ) يَعْلَمُونَ
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس : ابن جرير الطبري في جامع البيان 29 / 9 ، 10 ، 11 ، والطبراني في المعجم الكبير حديث 12227 .